بقلم: د. مصطفى حسين أبو الشيخ رئيس لجنة التخطيط والبحث والتطوير

في هذه اللحظة التاريخية الفارقة التي تشهد انطلاق مسيرة “منتدى حوار الثقافي”، نغوص بعمق نحو استيعاب حجم المسؤولية الفكرية والوطنية التي تمليها علينا معطيات الواقع الراهن. إن الحوار الذي ننشده ونبشر به ليس ترفاً ذهنياً أو نشاطاً هامشياً، بل هو أداة حضارية استراتيجية، ومحرك أساسي لتحقيق التنمية الشاملة التي ترتقي بالإنسان والمجتمع معاً.

ومن هذا المنطلق، تضطلع لجنة التخطيط والبحث والتطوير بمهمة جوهرية تتجاوز الإطار التقليدي للعمل الثقافي. إننا نسعى لصياغة “العقل الاستراتيجي” للمنتدى، وتحويل تلك الطموحات الثقافية العريضة إلى برامج عمل محوكمة، قابلة للقياس والتطبيق على أرض الواقع. نحن نؤمن إيماناً راسخاً بأن العمل الثقافي الذي يفتقر إلى التخطيط الدقيق والبحث العلمي الرصين، سيظل حبيساً للمناسبات العارضة والأنشطة المؤقتة. لذا، فإن هدفنا الأسمى هو “مأسسة الثقافة”، لتتحول من مجرد فعاليات عابرة إلى رافد وطني مستدام يبني الوعي ويطور مفاصل المجتمع.

إن رؤيتنا المستقبلية تقوم على أربعة مسارات تكاملية ترسم خارطة الطريق للمرحلة القادمة:

أولاً: التخطيط الاستراتيجي المستدام: نسعى لبناء أجندة ثقافية سنوية متكاملة لا تنفصل عن الأولويات الوطنية العليا. تهدف هذه الأجندة إلى الاستجابة الفاعلة لاحتياجات النخب الفكرية وطموحات الشباب، مع الالتزام التام باستثمار الموارد المتاحة بأقصى درجات الكفاءة والمسؤولية.

ثانياً: البحث العلمي والاستشراف المستقبلي: نهدف إلى تفعيل دور البحث العلمي في رصد التحولات الثقافية والمجتمعية المتسارعة. ومن خلال تقديم أوراق سياسات فكرية معمقة، نساهم في تقديم حلول مبتكرة وعملية للتحديات التي تواجه هويتنا وواقعنا الثقافي.

ثالثاً: الرقمنة وذكاء الحوار (المحور الرقمي): إدراكاً منا لطبيعة العصر الرقمي، تلتزم اللجنة بدمج أدوات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في جوهر العمل الثقافي. نحن لا ننظر للتقنية كأدوات صماء، بل كفضاءات جديدة للحوار الإنساني؛ حيث نسعى لرقمنة المحتوى الفكري للمنتدى، واستشراف أثر التقنيات الناشئة على الهوية الوطنية، وخلق منصات ذكية تمد جسور التواصل مع جيل “المواطنة الرقمية”.

رابعاً: التطوير والشراكات الاستراتيجية: نؤمن بأن الحوار لا يكتمل إلا بتكامل الجهود، لذا نسعى لتعزيز شراكاتنا مع المؤسسات الأكاديمية العريقة، وعلى رأسها الجامعة الأردنية. يهدف هذا المسار إلى خلق فضاء حواري عابر للأجيال والاختصاصات، يزاوج ببراعة بين أصالة الفكر وحداثة الأدوات المعاصرة.

إن “منتدى حوار الثقافي” يشرع أبوابه لكل عقل مبدع يؤمن بقوة الكلمة وتأثير الفكرة. ونحن في لجنة التخطيط نجدد التزامنا بأن تكون جسور الحوار التي نبنيها متينة القواعد، علمية المنهج، ومنفتحة على كل ما من شأنه خدمة رفعة الأردن الغالي والحفاظ على استقرار كيانه الثقافي والسياسي.

ختاماً، إننا لا نخطط لمجرد تنظيم فعاليات، بل نصمم مستقبلاً تكون فيه لغة الحوار هي السائدة، والوعي الجمعي هو الضمانة الأسمى لمجتمعنا.